محمد حسين هيكل
115
حياة محمد ( ص )
طفولته وصباه وشبابه لم يجرّب عليه الكذب قط ، حتى سمي الأمين ولمّا يبلغ الخامسة والعشرين من عمره . وكان صدقه أمرا مسلما به عند الناس جميعا ، حتى لقد سأل قريشا يوما بعد بعثه : « أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدّقوني ؟ » فكان جوابهم : « نعم ! أنت عندنا غير متّهم وما جرّبنا عليك كذبا قط » . فالرجل الذي عرف بالصدق في صلاته بالناس منذ نعومة أظفاره إلى كهلوته كيف يصدّق إنسان أنه يقول على ربّه ما لم يقل ، ويخشى الناس واللّه أحق أن يخشاه ! هذا أمر مستحيل . يدرك استحالته الذين درسوا هذه النفوس القويّة الممتازة التي تعرف الصلابة في الحق ولا تداجي فيه لأيّ اعتبار . وكيف ترى يقول محمد : لو وضعت قريش الشمس في يمينه والقمر في شماله على أن يترك هذا الأمر أو يموت دونه ما فعل ، ثم يقول على اللّه ما لم يوح إليه ، ويقوله لينقض به أساس الدّين الذي بعثه اللّه به هدى وبشرى للعالمين ! ومتى رجع إلى قريش ليمدح آلهتهم ؟ بعد عشر سنوات أو نحوها من بعثه . وبعد أن احتمل هو وأصحابه في سبيل الرسالة من ألوان الأذى وصنوف التضحية ما احتمل ، وبعد أن أعزّ اللّه الإسلام بحمزة وعمر ، وبعد أن بدأ المسلمون يصبحون قوّة بمكة ، ويمتدّ خبرهم إلى بلاد العرب كلها وإلى الحبشة ، وإلى مختلف نواحي العالم . إن القول بذلك حديث خرافة وأكذوبة ممجوجة . ولقد شعر الذين اخترعوها بسهولة افتضاحها ، فأرادوا سترها بقولهم : إن محمدا ما كاد يسمع كلام قريش إذ جعل لآلهتهم نصيبا في الشفاعة حتى كبر ذلك عليه . وحتى رجع إلى اللّه تائبا أوّل ما أمسى ببيته وجاءه جبريل فيه . لكن هذا السّتر أحرى أن يفضحها . فما دام الأمر قد كبر على محمد منذ سمع مقالة قريش ، فما كان أحراه أن يراجع الوحي لساعته ! وما كان أحراه أن يجري الوحي الصواب على لسانه ؟ وإذا فلا أصل لمسألة الغرانيق إلا الوضع والاختراع . قامت بهما طائفة الذين أخذوا أنفسهم بالكيد للإسلام بعد انقضاء الصدر الأول . وأعجب ما في جرأة هؤلاء المفترين أنهم عرضوا للافتراء في أمّ مسائل الإسلام جميعا : في التوحيد ! في المسألة التي بعث محمد لتبليغها للناس منذ اللحظة الأولى ، والتي لم يقبل فيها منذ تلك اللحظة هوادة ، ولا أماله عنها ما عرضت عليه قريش أن يعطوه ما يشاء من المال أو يجعلوه ملكا عليهم . وعرضوا ذلك عليه حين لم يكن قد اتّبعه من أهل مكة إلا عدد يسير . وما كان أذى قريش لأصحابه ليجعله يرجع عن دعوة أمره ربه أن يبلغها للناس . فاختيار المفترين لهذه المسألة التي كانت صلابة محمد فيها غاية ما عرف عنه من الصلابة ، يدلّ على جرأة غير معقولة ، ويدلّ في الوقت نفسه على أن الذين مالوا إلى تصديقهم قد خدعوا فيما لا يجوز أن يخدع فيه أحد . لا أصل إذا لمسألة الغرانيق على الإطلاق ، ولا صلة البتة بينها وبين عودة المسلمين من الحبشة ، إنما عادوا ، كما قدّمنا ، بعد أن أسلم عمر ونصر الإسلام بمثل الحميّة التي كان يحاربه من قبل بها ، حتى اضطرت قريش لمهادنة المسلمين . وعادوا حين شبّت في بلاد الحبشة ثورة خافوا مغبّتها . فلما علمت قريش بعودتهم ازدادت مخاوفها أن يعظم أمر محمد بينهم ، فأتمرت ما تصنع . وقد انتهت بوضع الصحيفة التي قرّروا فيها فيما قرروا ألا يناكحوا بني هاشم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم ، كما أجمعوا فيما بينهم أن يقتلوا محمدا إن استطاعوا .